الفيــــــزا ،،،،!!!!!!!

كتبهاعبدالرحيم الحمصي ، في 21 نوفمبر 2006 الساعة: 21:23 م

    وقف زياد مشدوها أمام بناية بشكلها الهندسي العربي الإسلامي … كلما فتحت أبوابها الكبيرة المرصعة برؤوس مسامير نحاسية تضفي عليها نخوة تاريخ مجيد، تسيد فيه أصحاب الأرض على المصير و هاماتهم تناطح سحاب فيودالية شمالية عرجاء … نظراتهم الثاقبة التي تخترق جدار صراع حضارات، توقفت عقارب تواصلها …شموخ البنيان يطير بزياد إلى عوالم ذلك المنبعث من حبات الرمال، وفي يده
قارورة زيت الزيتون، وفي الأخرى كيس دقيق الحنطة والشعير، و بداخل رأسه قاموس القلم و القرطاس، و التوحيد لأقطار تمزقت بفعل شيخوخة مترهلة مستسلمة

     على هذه البناية الرمز. رفع علم مثلث الألوان و الرموز و المبادئ. كان بالأمس يفتك و يقتل و يذَبِحُ بألوانه عصافير مدينتنا الجميلة، التي لم تطلب قدومه إلينا، بل هو الذي استقدم عدته و عتاده، و قبح إنسانيته المتعطشة للامعان في التنكيل بجمالية هذه الأبواب، بعد أن خاب في تطويع مبدعيها …
     وقف زياد في طابور طويل مند الساعات الأولى من الصباح، هو زوجته أم صخر … وقفا أمام هذا الطود الشامخ، الذي ذبلت عيناه من القدح و الشتم و الاستهزاء الذي يمارس بداخل أسواره التي كانت شاهدة مند قرون خلت على عظمة الدولة و مؤسسيها …. مرض نرجسية متعالية كذابة غير حضارية، تمارس على أبناء هؤلاء الفاتحين العظام الذين أعطوا الدواء و العناية الطبية و العيادة، لعدو مُثْخَنَةٌ جراحُهُ في حرب صليبية، لازالت ذيولها حاملة السيف على وجودنا إلى الآن …أيُ إباء هذا …؟؟؟؟
    وقف زياد وزوجته ام صخر يتأبطان ملفين، يحملان من الوثائق ما يحمله قلبه من غضاضة … و مقلتا زوجته من دموع،على مآل هويتهما الحضارية و الثقافية و الأخلاقية ، في ظل تلعثم معقوف الأنف من كثرة شم روائح الذل و الخنوع والدبيب على البطون ، ولردة حكام زمن مسخ بخس ثَقُلَ وزنه … مفتقر لدم قمين بفتح جرأة التصادم الفارض لوجهة النظر التماثلية .
    رفع زياد عينيه، يتأمل علو همة صومعة الجامع السامقة في سماء تاريخ، تناغمت فيه ظواهر الوجود الإنساني واقفة تختزل الزمن و المكان .. متجاهلة كل الألوان المنتصبة بجوارها، غير عابئة بقزمية هذا الدخيل الجاثم على أسوار المدينة … هذه الحاضنة لصومعة من أشهر صوامع العالم ، و المطلة على أشهر الساحات العربية التي أَسست لأدب الحلقة و التحلق … الأدب الشفاهي المحكي و المروي، الذي تشتهر به هذه الساحة العالمية إلى يومنا هذا…إنها الصومعة الحارس، رغم انف الطحلب الملون الذي لم يستطع محو لون مدينته التي سمي شاعرها الفذ باسم، شاعر الحمراء …لون صحراء الموحد، الذي ركب جمله ليعبر
به أمواج بحر متوسط ، أتى زاحفا تحت أقدام راحلته لتوحيد أندلس تشدرت مماليكه ..و تبعثرت أوصاله كما هو الحال الآن …ما أشبه الأمس باليوم… ناقص…؟؟؟
     لقد أقسمت أم صخر،أن تستعيد ما ضاع من أيام تفرغت فيها لحب أعمى كست به جمال قيسها زياد، بعد أن كانت من المتفوقات في دراستها… متابعة جادة لمسار ابنتها الدراسي ساهرة الليالي، حتى تتفوق هذه الدلوعة الجميلة التي كانت بحق نسخة من دكاء أمها، صلابة و شغفا بالتفوق …
، كانت جوهرة ترفض أن يشاركها أي من صديقاتها الدروس الإضافية الخاصة بالرياضيات و الفيزياء،
حتى لا يزعجنها، و حتى تتمكن من الاستيعاب الجيد، رغم ثقل المقابل المادي
على ميزانية العائلة الصغيرة الوديعة الفرحة بهذه الجوهرة الطموحة، التي لا تعرف حدودا لتطلعاتها الحالمة قصد إتمام الدراسة بالضفة الأخرى ….
      كانت فرحة أم صخر لا تحدها حدود، و هي تستعد لعبور أجواء قصر الحمراء، و تلة التنهيدة الأخيرة التي أطلقها أمير غرناطة بعد سقوط آخر قلعة أندلسية في يد سيباستيان و ايزابيلا الكاتوليكية ..يوم قالت له أمه عائشة ..إبْكِ على عرش لم تعرف الدفاع عنه، كرجل ، أو كملك…
      لقد منت أم صخر النفس بإشباع فضول نرجسي نابع من دواخل دونية رسخها تفوق نابع عن أدبيات حاقدة مريضة … عكس ما يشعر به زياد، الذي و هو يسبح في غرائبية و عجائبية هذا الزمن العصيب، الذي قلب كل الموازين التي تجر قطار ناووسه الأبدي و كروم حياة منقادة كقطيع لمسلخة المدينة ،
النائمة مغناطيسيا، بفعل موت هذا العقل العربي الذي شاخ و تزمهر، و لم يجد من يجدد له مهراق إجناساته …هذا العقل الذي سيضعنا في يوم من الأيام، إن لم نقل قد شَلَ حركتنا أمام أمر واقع، يصعب معه تلميع ما صدئ و تنقية ما تتطحلب من أمخاخ مهترئة …

      نزل زياد من صهوة إحباطاته لواقع قد يشفع له قليلا من ما حلم به، و المتجسد في فورة هذا الشباب العربي الذي أبانت ثلة منه على قومة ضد هذا التخلف الجاهل، الذي يقود مؤسسة هذا الوطن إلى المجهول.             تذكر أن من بين هؤلاء البراعم طالبة اسمها جوهرة. لها نفس الطموح و نفس القناعات. هذا الكنز الذي تعالت له زغاريد أم صخر عندما توجت سهرها وعذاباتها بحصول ابنتها على شهادة الباكالوريا علمية بميزة حسنة …لقد استحضر فصول مغادرة جوهرة التراب الوطني متوجهة نحو مجهول لا يعلم له لا فتح و لا إغلاق مزاليج تربة مسكونة بالغربة القاتلة، وهو لا حول ولا قوة له أمام هذا الدينصور الهائج الذي لا يرحم
كانت الأقدار حنونة عليه لما وجد أن احد أصدقائه له أخت بديار الغربة، و تسكن قرب الجامعة التي ستدرس بها ابنته. تنفس الصعداء …كانت لحظات الوداع عصية عليه و هو يتابع الحافلة التي تبتعد و تتلاشى في أفق المستقبل الذي يحلم به هو و أم صخر و جوهرة …
     = زياد …لقد حان دورنا
      = آه… نعم لقد حان دورنا … ردد ما قالته أم صخر، و خياله المسافر لا زال شاردا سابحا في سماء صورة جوهرة ذات الخصلات الذهبية، وعائما في ضحكاتها الجميلة، و أدانه ترن حولها كلمة ..أبي …أبي ..
      = يا زياد …ادخل.. الناس من ورائك … أسرع.
دخل زياد و زوجته هذا القصر، الذي تحول إلى قنصلية، للدين كانت من مستعمراتهم، قريته و مدينته و حقوله و سماؤه و حتى شمسه … هو لم يدخل و إنما خرج من مدينته ليدخل زمن و مكان دولة أخرى … بطقوسها و موظفيها و عاداتها الظاهرة و المستثيرة .فهي شيء  آخر… و أسلوب آخر… و معاملة أخرى …
      = الفضاء من الداخل لا يمت بشيء  لخارج البناية …يلاحظ زياد…
      = ما همنا من البناية …نحن هنا لقضاء مهمة إدارية ..تقول زوجته ..فليذهبوا هم و عصرنة  بنايتهم هاته إلى….
      = ليست بنايتهم .. يقاطعها زياد…إنها جزء من تاريخنا الذي شوهوه، و لازالوا يفعلون… لقد حوروا معالم الفن المعماري و الإسلامي بها، و كيفوه مع مزاجهم المريض …لاحق لهم في هذا…
      = اسكت إنهم يسمعون تقول أم صخر ….
      = فليسمعوا … سأعيد و اكرر … ليس لهم الحق في طمس معالم حضارتنا و تراثنا فوق ترابنا ..لا حق لهم في هذا.حفرياتهم بالقدس الشريف . كنوز العراق الصامد نهبت و هدمت و لا مجيب ..نفس الأسلوب …
لقد كسر زياد الصمت المخيم على هذه القاعدة الموغلة في سكون رهيب، يمكنك من سماع حفيف أجنحة دبابة طائرة في هذا الفضاء القفر و الخالي من كل إحساس إنساني حقيقي …وحده الصمت القادر على التحديق في هذه الوجوه المطلية بلون الخريف، و كأنهم وقوف ليوم القيامة ، حيث الشَدَهَان و الفراغ المسيطر على الذات، و الخانع لقبول مذلة ورائها قصد غير مأمون الجانب .
التفت احد المتعاونين العرب. الملفوف في بذلة تخاله حارس سجن، بحاجبيه المقطبتين و قامته الفاهرة و كأنه عفريت في صورة إنسان …فزاعة الوافدين على هذا الفضاء الهارب من الزمن الغربي ، و الغريبة تربة طقوسه على زماننا و مكاننا..انه فصل من فصول أدوات الإمعان في التنكيل بكل ما هو عربي و إسلامي …
بند من بنود النواميس المسلطة على حريتنا، وعلى إنسانيتنا الممرغة في وحل برك حكامنا و مؤسساتهم الحاجبة للضوء و النور …
     = قليل من الهدوء أيها الأخ …يقول هذا المتسمر كالتمثال النحاسي، الخارج من العصور المتحجرة …الا ترى
انك أزعجت المكان و الفضاء ؟؟ إملأ استمارتك، و أغلق فمك، و لا تضطرني لإخراجك من القنصلية ..أسمعت ..؟؟؟
سجرت جميع شياطين الإنس و الجن بدواخل زياد المكهربة أصلا، و مند أن وطئت قدماه أول درج في البناية
وهو يسمع من هذا المتعاون الخسيس الربوت … تطاير الشرر و اقشعرت شعيرات الانفلات الاحتوائي للموقف، و ما كان من لطف الأقدار ، إلا وأم صخر تجره نحوها جرا، لتهمس في أذنه
     = اسمع .. كلمة واحدة، و سأخرج لأتركك وحدك هنا، لتفعل او يفعلون بك ما يشاؤون … ثم أردفت … سينعتونك بالإرهابي …و سترسل إلى احد الغوانتاناموهات المزروعة في طول و عرض الوطن العربي …و لن نراك بعدها …
أراد أن يجيبها، و الكلمات تباطئت في حلقه إلى حد التقيئ من شدة الغيظ الصاعد من أعماق هذه الذات الغير قادرة في زمن العسعسة على فرض سلطتها المسجرة لهيبا بين أضلعه …. إلا أنها عادت له شرارة كرامته عندما قالت له …
     = اعلم ما يختزنه صدرك هذا من حقد على هؤلاء الأوغاد. المتعالين بانحطاط.. وخنوع القائمين على حبر دساتيرنا و جرات سمننا و كسرة خبزنا الحافي …لنأخذ الفيزا أولا …إن رؤية ابنتي في ديار الغربة ارفع بكثير من حكم السياف على رقبتي …
انفرطت دواخل زياد من شدة بكاء مستثير، و هو يتقدم أمام قابض يتسلم منك مبلغا ماليا مهما، قبل أي دفع للوثائق، أو أي حديث عن التأشيرة نحو العبور لذلك الشمال العنصري ، عنصرية الصهيونية القابعة على بساط الأنبياء و واحة الشعراء و الأدباء و المخلصين لهذا الوطن العظيم .
       = بدون وازع ضمير يسرقون أموالنا ..و بدون موجب حق يبتزوننا… يهمس زياد ..إنهم في حالة عدم توصيلنا بالفيزا، لن يردوا لنا مالنا، كما هو مشترط في وثيقة الخزيرات أو تفاهمات سايس بيكو هذه . هيا ..لقد وصلنا للتحقيق ..تقدمي …
و بالفعل كما قال زياد لام صخر … هو التحقيق… ضعوا بصمات أصابعكم العشرين هنا
      = بصمات أصابعنا عشرة وليست عشرين …
       = وهل نسيت بصمات أصابع رجليك ؟؟؟
انه التحقيق …على الهوية …. وعلى الإنسية …يبحثون في دواخلك عن الخلل المسبق و الجاهز للانقضاض
على بثر حق صاغوه بمزاجية خبثهم …
      = إنها الموظفة التي تفوح منها رائحة التصهين في أسلوب التعامل تسألني
      = أنت هو زياد … وجدك هو طارق …الحارق لسفن العودة ….ههههههههههههه…
وسط قهقهاتها الفاضحة التي دوت وسط البناية التي حلق فوقها زياد وام صخر كطائري الوروار، متجاوزين
الجدار، و متعانقين بالأمل في الإبقاء على تلك الصومعة السامقة التي تحرس المدينة رغما عن وجود دويلة…. داخل الدولة .
ما أوسع أبوابنا و ما أوسع صدورنا ونحن نستقبلهم … تقول أم صخر … في… يوم… من… الأيام… سنعاملهم….
بالمثل….؟؟؟؟؟

 

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : القصة القصيرة | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر

>