بركان الحداثة ،،،

كتبهاعبدالرحيم الحمصي ، في 21 نوفمبر 2006 الساعة: 21:14 م

     شاعرة و قاصة و روائية سارت بذكرها الركبان … أديبة شقت طريقها بإصرار قل نظيره … لا تسد باب حتى تفتح أخرى في سبيل إيصال ما تعتقده صحيحا … خرجت من قمقمها الذهبي، متدفقة وكأنها السيل المنجرف، الجامح ، الحارق لكل ما يمت لأنوثة لها حسها المرهف ، الضال بين ثنايا الكلمات السابرة في الذات …
     كانت الزاهية الابنة الوحيدة و المدللة ، التي لا يرفض لها طلب رغم المظهر المحافظ لوالديها و للعائلة … تتميز على صحيباتها في لقاءاتها بهن كل مساء تحت سقيفة باب البيت ، بالذكاء الثاقب و كأنها المفوهة التي لا يشق لها غبار، من خلال الحوارات المطولة، مستعرضة قوة بيننتها في البلاغة و التبليغ .تتحدث بإشارات الواثقة من نفسها . تعطي تفسيرا لكل ما تطرحه صديقاتها اللواتي يرون فيها القائدة و مثلهن الأعلى ، نظرا لجمالها اللافت وأنوثتها الخادشة ، ناهيك عن فصاحة لسانها المؤثر.
كانت ضحكاتها الرقيقة تسمع من الزاوية الأخرى للدرب، حيث يجتمع شباب الحي المتنافسين على من سيظفر بالتفافة خفيفة ، أو ضحكة عابرة ، أو كلمة خجولة مخطوطة على وريقة ملفوفة ترمى له من طرف خاطفة لبهم .. الزاهية …
    لتوقيع مجموعتها القصصية الأخيرة ، و بدعوة من جمعية ( ثقافية  وطنية ) كانت لها اليد الطويلة  في تأسيسها و تأثيث مكتبها الصوري ، الذي ليس بين أعضائه و الثقافة إلا الخير و الإحسان ، و ارتزاق بدون مقابل ، اللهم إذا استثنينا البرنامج الوحيد و اليتيم و الفقير الى الثقافة ، الذي تنحصر مهمته في التطبيل و التزمير لصاحبة الجلالة ، كما هو الشأن بأشباه مثقفي الحكام . هؤلاء الأخيرين الذين يحتمون وراء دجل و مسخ مفضوح يعمل على ابعادهم و عزلهم عن الشعب عكس ما يتخيل لعقولهم الغبية التي لا يتعدى تفكيرها أرنبة أنوفهم .
انتفض من داخله وجمع قواه التي خانته سنوات العشق البوهيمي المتدفق في بحر سنوات الدمع العفيف … أيام المراهقة الحالمة المتشبعة بالأفكار العبدحليمية … يوم كان الخوف عليها من النسيم العليل ، و من خيوط الشمس المنسابة على ضفاف أديمها الصافي ، الملائكي الحروف… نظر
إليها … ثم حدق مليا و قد ظن أن جمره إنطفأ يوم أن فضلت عليه في آخر لقاءاتهما اعز أصدقائه …
اهتزت فرائصه اهتزاز الزلزال الى حد درجة الإغماء … أ هي الفرحة … أم عودة الروح باللقاء او العثور على الحلق المفقود… أ م هي نرجسية الرغبة في إعادة امتلاك ما ضاع في غفلة من تهاون ، و عدم وعي بشيطان ثقة زائفة … أعاد عمر الكرة في استجماع قواه بتضييق ربطة عنقه كردة فعل
تستقيم بها فرائصه المنهارة … يا الاهي … انه أمام زهرة شبابه الضائعة و العائدة من العدم كما تخيلها ، و هي تذوب في ثنايا منعرجات زمن احكم الخناق عليه ، من خلال فقر مادي و روحي ، تركه عرضة للتمسك بفتات زائل ، ركائزه ثلة من طبقة جاهلة و غير دارية ، تصرف أيامها في لهو غير دي نفع… انه أمام سيدة ناضجة غير التي تخيلها ، حيث ازدادت جمالا و أنوثة و صلابة في القوام …مرر
يده على شعره و إعاد نضارته الى الوراء و تقدم هو الى الأمام ، متصنعا اللا  مبالات و كأن لقاءها شيئ عادي … مد يده لها و هي ترتعش … تبادلا كلمات سريعة و كأنها تراه لأول مرة الشئ الذي اغاضه.. لقد كان متتبعا لإصداراتها …قارئ ناهم لقصصها و رواياتها …و أشعارها…كان يبحث بين السطور عله يجد نفسه في صفحة من صفحاتها أو بين ثنايا احد شخوصها الكثر….كان أسلوب تعاطيها لفك رموز أعمالها شيئا محمودا لديه … في بداية كتاباتها طهر سردي ، لكنه مداهن ينم عن رؤيا مستقبلية طموحة تحمل شعرية متدفقة لا حدود لها… كانت دائما تديل كتاباتها بالسؤال عن ضوابط الأفق المسموح به لتخطي حواجز الإفصاح و تعرية الواقع ، و رؤيته من زاوية التمدن الفرداني …….
كانت أيام اصطحاب الزاهية و هي طالبة اعدادي كما هو ، مشحونة بالقلق الرومانسي نتيجة دخول المتربصين حلبة الصراع على الظفر بقلب معشوقة الحي … ستة أيام في الأسبوع ، كانت كفيلة بان يستميل قلبها المتحجر و المخادع كما ظن هو … كانت كلما أرادت قضاء مأرب إلا و أرخت شباك أنوثتها الضاغطة على ما تبقى من أوتار قلبه المتهالك بفعل التنازلات المتتالية … تتسابق فرائصه النشطة لتلبية نظرات حولها الإيروتيكي ، الذي كان احد أسلحتها كلما نصبت نظارتيها بين خصلات شعرها الفستقي ، المنساب كتساقطات شلال رذاذ حالم …
- أين أنتَ …وأين هي مراسيك …مخاطبة إياه الزاهية و هي تعلم مما لا يدع الشك أن عمر غارق في بحر أيامه الخوالي …
- آه … متلعتما .. أنا ..أ نا .. أنا أستاذ الأدب العربي بجامعة … تقاطعه كما هي العادة مع جميع مخاطبيها … ا
- إذن أنت لازلت غارقا في رمنسيتك ..
بردة فعل مفاجئة من عمر لم تكن منتظرة منه .
- لن يعتبر أستاذا للأدب ، من أدوات تفكيره متحجرة … و لن يكون أديبا من يتصنع الرومنسية … لتقاطعه كالعادة ..
- تمهل عمي عمر … أنا التي سأحاضر اليوم و لست أنت … وددت لو أعطيتني في عجالة وجهة نظرك حول اصداراتي الأخيرة
- آه .. إصداراتك الأخيرة ؟؟؟ … لم اطلع عليها كلها …. ومن قال إنني اقرأ لك ؟؟؟
- الست أستاذ الأدب العربي …؟؟؟
- لدي اهتمامات أخرى … يتخطى عمر عقدة اسمها الزاهية ، ليبدو و انه الواثق المتحكم في إدارة الحوار … أنا اقرأ للأدباء و أديبات و ما أكثرهم ، جادين في طرحهم لمشاكل المواطن و الوطن … أنا لا أنكر أنني قرأت لك ديوانك الشعري الأخير ، الذي اعتبرت محتواه العام، أحلاما و معزوفات على فرارٍ نحوَ المجهول … وحشية الوصل …، و وشوشات حول جفاف أنفاسك التي لم تُسعفك …عناقاتك لعلاقات مغامرة سابحة ، متأثرة بخيالات القادم من وراء التاريخ … بوح سحاقي متمرد على كل القوانين و الشرائع الكونية … لقد قرأت لك… و قرأت… و قرأت…قالها عمر بمفهومها الاستهزائي …لن افرض عليك رأيي … انما هي وجهة نظري …. وهو يشد ربطة عمقه محركا رأسه في الاتجاهين …سنستمع إليك بعد قليل و … سنرى درجة معالجتك لقضايا شعبنا العربي و خاصة … قاطع نفسه بالقول …انا لم أقرا لك أي شئ عن القضية الفلسطينية .؟؟؟ هل نسيت أنها قضية الشعب العربي الأولى ؟؟؟؟ …
- الم اقل لك انك لازلت رومانسيا يا عمر … الم تر انك في واد و الأسلوب الحداثي للأدب في واد آخر … لا أظن انك تعلم ، إنني من اللواتي يكتبن القصة و الشعر الرومانسي ، ولا أؤمن بهذا الطرح
يا صديقي عمر …أدب الحداثة أو حداثة الأدب ، أصبحت صنعة و مؤسسة لها مزاياها و تجلياتها المتعددة المشارب و الدروب … لقد أصبحت فكرا خاصا … لها قوالبها و لها ممولوها … سماسرتها و محترفوها …صناعة يا عمي عمر …ملايين الدولارات تسبح في سماء بورصة الحب و الرومانسية …
نحن نكتب و نؤلف …دور النشر تسلمنا حقوقنا كاملة حتى قبل النشر … سلعة لا تبور يا…كتاب كلمات الأغنية العصرية الشبابية على… قفا من يشيل… و الملحنون تحت الطلب جاهزون …الراقصات أدوارهن جاهزات ..سراويل الدجينز فاعلة فعلها في العقول الفارغة المدجنة… وفي الجيوب العامرة… أموال النفط تبني لنا في كل إطلالة قناة خاصة بموضة هز يا وز ..أصحاب الإفتاء الجدد ، مثلهم مثل المحافظين الجدد في البيت الأسود، جاهزون لحمايتنا و دفع الضرر عنا … موجة مديعات باربي ، و منشطات البرامج التلفزيونية المتخصصة في القمار الذهني و التمييع الفكري…. و انت تكلمني عن الرومانسية و القضايا… و لا ادري ماذا …هل هناك أحسن ، و أجمل من رومانسية الإلتماع بكشافات أضواء التصوير، عندما تسلط على مسارك الفني و الأدبي الراقي … ؟؟؟؟
لم يعد عمر يصدق، أو يعرف من هي هاته الصادمة ، العارية من كل أصباغ فرجة زمن تلاشى و ضل الطريق وسط عولمة الحب ، و المأكل ، و المشرب ، و الملبس ، و الاعتقاد ، و ربما الأحلام …
لم يترك له رئيس الجمعية الفرصة للرد عليها . لان لغة الإشارات و و التلميحات و توزيع الأدوار المفبركة ، كان قائما مند دخول صاحبة الجلالة للقاعة …
- نطلب من الأديبة الكبيرة الأخت الزاهية ان تتفضل مشكورة …تركت عمر المسكين الذي وجد نفسه أمام مسخ جديد و غريب لم يعهده من قبل ، تراقصت عيناه في اتجاه الزاهية و هي تتوزوز في مشيتها كالطاووس وسط تصفيقات و هتافات ضاع في خضمها عمنا عمر الرجل الطيب …
كالفراشة ، وسط سرد قصصي أدهش عمر الذي ارتسم على وجهه ميسم قثامة خنقت حبال صوته و هو لا يكاد يصدق هذه الجرأة المتدفقة للبوح ، المبني على وقاحة المكاشفة ، و تنصيص لمستور صادم دون الاهتمام بخدش كان بالأمس القريب من طابوهات فتحت أبوابها لأفق مجهول الهوية ، كعقاب أزلي … لممارسة حجرية آن أوان تشطيبها من قاموس الممنوعات …
بعصبية غير دارية لما يقع لأظافره و هي تلتهم ، و عيناه شاخصتان يراقبان مخارج الحروف من بين شفتي الزاهية ، اللواتي لم يعد يتخيل في أية خانة يضعهما .هل هما حبيبتين أم عدوتين .اختلط عليه الحابل بالنابل، أمام حضرة صاحبة الفيافي الظمئ، التي تشتم منها نفحات البقاع العطشى ، و سط جنة دانية قطوفها ، و جامحة سفوحها ، و قاتلة رموش نخلتها، المتدلية على حشائش لمحاتها المدمنة على الهروب، نحو غوص في تبئير ذات غابت عنها بوصلة الزمان و المكان و كأنها بدوية في باريس…
لقد جلس في الصف الأول دون أن يدري … يتمتم كالمجنون و يضرب كفا بكف … لقد أثار انتباه الجالس بجانبه و الذي نبهه الى التزام الهدوء ، لدرجة أن الحضور متسمر وجامد من جمال وهول ما
يسبح في فضاء القاعة الكبيرة الرحبة ، عبر ميكروفون جهز له التقني أوتارا ببحة خاصة لهذا اللقاء القصصي المميز، الذي أطاح بكل أسوار قلعة جسد ، حفر كبئر لكثمان غرائز و محظورات جنسية لا يمكن مكاشفتها الا عبر طقوس ثنائية حميمية كانت او نسائية الأخذ و الرد.
وضع عمر يده على فمه و هو يسترق السمع… عيناه ألغت كل الحاضرين حتى يبقى وحده الجمهور الحاضر، و حتى لا يسمع احد ما يرشح عن أديبته المفوهة العائمة في بحر بوح أوراقه مسطرة ببلاغة تعرية أنثوية ، و حتى رجالية ، مع إمعان و تغويص في ذاتية هذا الجسد و في حروفه التي لا تراها العين المجردة … انه ما اسطلح عليه أدب المكاشفة ، من خلال بناء سردي عميق يطوف بك الأمكنة و الأزمنة المسكونة بنزق الإيحاء السامق الجامح الذي لا قيود و لا حدود له.
لم يعد عمر يسمع الزاهية ، و هي تمطر الحاضرين بقصاصات من آخر مجموعتها التي خصصتها لهده النوع من الأدب ، الذي كثر أخيرا حوله اللغط ، و تأثثت لصالوناته المؤتمرات الأدبية على أعلى المستويات وفي أفخم نزل الخمسة نجوم … لقد اعاد عمر عقارب الساعة للوراء يوم باءت محاولته
بالفشل ، و هو يعطيها درسا في الإخلاص و الحب العفيف ، للإرغامها على وضع نظارات لا ترنو الا الى شخصه نهارا و الى طيفه ليلا … تذكر هذا المشهد ، خاصة لما وضعت يدها على فمه ، لجعل حدا لهذا
الفكر المتجمد في نظرها ، وتطلق العنان للطف مصبوغ بنرجسية أحادية المضمون و حرية الفعل الغير قابل للتفكير التماثلي .
- سبحان الله …يتمتم عمر … ما أشبه البارحة باليوم. نفس الأسلوب و نفس الطرح … إلا ان الأول كان محتشما ، رغم انه كان كثير الطرح لسؤال خلخلة هذا المحظور، وما يترتب عنه من آلام و عذابات …كم كنت مغفلا … أما الآن ، فانا أمام هذه الجرأة التي اغبط عليها هذه الزاهية ، المنفجرة كبركان غاضب… و التي ركبت صهوة بيننة قد تضر بجوهر أنوثة تضيق بها جذران معطفها … الا ان صقيع البوح قاتل …و طريقه مسدودة و العبرة بالسير فيه …و تحمل أشواكه الدامية الصعبة لملمة جراحها ….
أفاق عمر على حدة تصفيقات و هتافات و صفير .. و الزاهية تحمل إشارة النصر في وجه عمر و عبره الى كل الحضور… ، قبولها و فهمها… و لا داعي لإعادتها إلى قفص اهترئ بفعل صدام المطالبة و تبني ركوب صهوة فرس غير عربية ، لا تعرف للطموح حدودا و لا للمراقبة الذاتية حواجز… فما كان من عمر ان تساءل للمرة الألف ، من تكون هذه الموسكوفية التي تعاني من فيض في الذكاء ؟؟؟؟ هذه ليست الزاهية ….؟؟؟؟
لقد صافحت الجميع و خرجت من القاعة ، وسط زغاريد النساء الحاضرات و تصفيقاتهن الحادة غير مبالية بالفرق الشاسع الذي حفرته خندقا بينها و بين هذا العمر… الذي حاول اللحاق بها لمصافحتها ، و توقيع المجموعة التي اشتراها و هو داخل الى القاعة … لم تسعفه رجلاه اللتان خانتاه في هذه المرحلة الصعبة من تاريخ كتبه بقلمه الذي لم يعلم انه جف، إلا بعد أن غابت عنه الزاهية التي لم يكمل معها النقاش الذي بدأه قبل أن تبوح ببوح مجموعتها الأخيرة … غابت عنه الزاهية وسط غابة من المعجبات و المعجبين بحداثة الأدب….و أدب الحداثة…..و أية حداثة؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟

ابريل … نيسان … 2006

 

  

 

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : القصة القصيرة | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر

>